جلستَ إلى المائدة، ورأيتها لحظةً مناسبة.. فسألته: «لماذا لم تصلِّ العصر؟» فأجاب بهزّة كتفٍ، وعينٍ لا تفارق الطبق. حاولتَ مرّة أخرى، بنبرةٍ أهدأ، فازداد انغلاقًا. وفي النهاية غادر المائدة.. وغادرتَ أنت وفي صدرك غصّة: متى صار الحديث معه عن دينه بهذه الصعوبة؟
أنت تظنّ أنه يتمرّد. والحقيقة -في الغالب الأعمّ- أنه انقطع. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين أن تيأس منه.. وأن تعرف من أين تبدأ.
لماذا توقّف عن الكلام
لم يستيقظ ذات صباحٍ وقرّر أن يُغلق قلبه. الأمر أبطأ من ذلك، وأهدأ. في مكانٍ ما -سؤالٌ واحدٌ حمله إليك، فقوبل بمحاضرة. اعترافٌ صغير، فقوبل بعقاب. حَيرةٌ صادقة، فقوبلت بـ«كيف تقول هذا وأنت ابن هذا البيت؟». مرّة، مرّتين، ثلاثًا.. ثم تعلّم الدرس: أن يحمل ما بداخله إلى مكانٍ آخر، أو ألّا يحمله إلى أحد.
وليس البيت وحده. المدرسة تطلب منه نصفًا، والأصدقاء نصفًا، والهاتف يملأ ما بينهما بألف صوت. (وهذه هي [فجوة الهوية المزدوجة] التي تحدّثنا عنها.) فحين لا يجد مكانًا واحدًا يتّسع لكل ما فيه.. يصمت. ليس لأنه لا يملك ما يقول، بل لأنه لم يجد من ينصت دون أن يحكم.
ماذا يعني صمته حقًّا
نقرأ الصمت خطأً. نظنّه رفضًا، أو لا مبالاة، أو -أسوأها- أنه «فقد دينه». لكن اسأل نفسك: أيّهما أقرب إلى الحقيقة؟ مراهقٌ لم يعد يبالي؟ أم مراهقٌ بالى كثيرًا.. حتى تعب من أن يبالي وحده؟
الصمت ليس فراغًا. الصمت ممتلئ. إنه محمّلٌ بأسئلةٍ لم يجد لها أذنًا، وشكوكٍ ظنّ أنها تُخرجه من الملّة، وخوفٍ من أن يخيّب ظنّك فيه إن قال ما يدور في رأسه حقًّا. التمرّد قرارٌ بأن يُدير ظهره. أما الانقطاع فهو ما يحدث حين ينتظر طويلًا.. ولا يأتي أحد. ابنك لا يرفضك. إنه ينتظرك، بلا كلماتٍ تسعفه.
ثلاث بداياتٍ تفتح الباب
لن تفتح البابَ بالطَّرق عليه بقوّة. لكن ثمة أبوابٌ جانبيةٌ.. تُفتح بلطف.
اسأله عن عالمه، لا عن عبادته. ولاحظ أين تسأل. المائدة -وجهًا لوجه، وعينٌ في عين- تُشبه التحقيق. أما السيارة، وأنتما جنبًا إلى جنب، لا تنظران إلا إلى الطريق، وله أن يصمت متى شاء.. فمكانٌ آمن. جرّب هناك سؤالًا لا امتحان فيه: «سمعتُ شيئًا غريبًا اليوم عن المسلمين في الأخبار.. هل مرّ عليك شيءٌ مثله في المدرسة؟» لا تصحّح إجابته. فقط استمع.
اعترف أنت أولًا. المراهق لا يفتح قلبه لمن يظنّه كاملًا. أخبِره عن يومٍ صعُب عليك فيه أن تصلّي، أو سؤالٍ عن الدين حيّرك أنت في مثل سنّه ولم تجد له جوابًا وقتها. حين يراك تعترف، يتعلّم أن الحَيرة ليست عيبًا.. وأن هذا البيت يتّسع لها.
اطرح سؤالًا لا جواب «صحيح» له. لا: «ألا تعلم أن الصلاة واجبة؟» بل: «ما أكثر شيءٍ يصعب عليك في أن تكون مسلمًا بين أصدقائك؟» الأول يُغلق، لأنه يعرف الجواب الذي تريده. والثاني يفتح، لأنه يطلب رأيه هو.. لا امتحان حفظه.
أن تكون المكان الآمن
كل هذا يقوم على شيءٍ واحد: أن يعرف ابنك أنه يستطيع أن يعود إليك.. حتى حين يُخطئ، حتى حين يشكّ، حتى حين يقول ما يخيفك أن تسمعه.. دون أن يُوبَّخ أو يُخجَل. البيت الذي يُعاقب على السؤال، يُعلّم الصمت. والبيت الذي يتّسع للسؤال، يبقى بابًا مفتوحًا مدى العمر.
وهنا نقطةٌ لا بدّ من صدقها: أن تكون المكان الآمن لا يعني أن تتخلّى عن قيمك، ولا أن يصير كل شيءٍ مباحًا. العقاب له موضعه، والحدود ركنٌ من التربية بلا شك؛ لكن فرقٌ بين حدٍّ يُوضَع بحبٍّ ووضوح.. وبابٍ يُغلق في وجه كل سؤال. الأول يحمي. والثاني يطرد.
البشرى
الصمت ليس نهاية الطريق. إنه علامةٌ على أن بينك وبين ابنك مسافةً نشأت.. والمسافات تُعبَر. لن تعبرها بمحاضرةٍ واحدة، ولا في ليلة. تُعبَر بسؤالٍ صغيرٍ في السيارة، وأذنٍ لا تحكم، وبابٍ يبقى مفتوحًا حتى حين لا يطرقه. ابنك لم يذهب بعيدًا. إنه على الضفّة الأخرى من صمتٍ.. تستطيع أنت أن تبدأ بعبوره الليلة.
ابدأ الليلة بجملةٍ واحدة. أعددنا لك ورقةً من منهجنا فيها بداياتٌ للحديث مع مراهقك -جُمَلٌ حقيقية، جرّبها آباءٌ قبلك- تفتح البابَ دون أن تُفزعه. [حمّل بدايات الحوار مجانًا ←] وإن أردتَ أن تعرف لماذا يتعلّم أبناؤنا الدين ولا يعيشونه، فاقرأ [التربية لا التلقين].


التعليقات
سلمى حمدى زكى غرابة
بارك الله فيك و نفع بك